الشيخ الصدوق
41
كمال الدين وتمام النعمة
حدث السن ، له جلالة وهيبة ، فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هشام ولا بالقواد ولا بأولياء العهد ، فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه ومنكبيه وأخذ بيده فأجلسه على مصلاه الذي كان عليه ، وجلس إلى جنبه ، مقبلا عليه بوجهه ، وجعل يكلمه ويكنيه ، ويفديه بنفسه وبأبويه ، وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل عليه الحجاب فقالوا : الموفق قد جاء ( 1 ) ، وكان الموفق إذا جاء ودخل على أبي تقدم حجابه وخاصة قواده ، فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين ( 2 ) إلى أن يدخل ويخرج ، فلم يزل أبى مقبلا عليه ( 3 ) يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ : إذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبا محمد ، ثم قال لغلمانه : خذوا به خلف السماطين كيلا يراه الأمير - يعني الموفق - فقام وقام أبي فعانقه وقبل وجهه ومضى ، فقلت لحجاب أبي وغلمانه : ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الذي فعل ؟ فقالوا : هذا رجل من العلوية يقال له : الحسن بن علي يعرف يا ابن الرضا ، فازددت تعجبا ، فلم أزل يومى ذلك قلقا متفكرا في أمره وأمر أبى وما رأيت منه حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلى العتمة ، ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان فلما صلى وجلس ( 4 ) جئت فجلست بين يديه فقال ، : يا أحمد ألك حاجة ؟ فقلت : نعم يا أبة إن أذنت سألتك عنها ؟ فقال : قد أذنت لك يا بني فقل ما أحببت فقلت له : يا أبة من كان الرجل الذي أتاك بالغداة وفعلت به ما فعلت من الاجلال والاكرام والتبجيل ، وفديته بنفسك وبأبويك ؟ فقال : يا بني ذاك إمام الرافضة ، ذاك ابن الرضا ، فسكت ساعة فقال : يا بني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها
--> ( 1 ) الموفق هو أخو الخليفة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل وكان صاحب جيشه . ( 2 ) السماط : الصف من الناس ، يعنى رديفين منظمين ، وفى الكافي " فقاموا بين مجلس أبى وبين باب الدار سماطين إلى أن . " ( 3 ) أي مقبلا على أبى محمد عليه السلام . ( 4 ) في بعض النسخ " فلما نظر وجلس " .